الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم

خطبة الرسول المعلم صلى الله عليه وسلم

الجمعة 29 ذو الحجة 1440هـ بجامع موضي السديري بالرياض

الحمد لله الرحيم الرحمن، خلق الإنسان، علمه البيان، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، رفع منزلة أهل العلم والإيمان: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11].

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه في الأميين يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا مزيدًا، أما بعد:

 

فاتقوا الله عباد الله حق التقوى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: 282].

 

عباد الله، لقد بعث الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم مبشرًا ونذيرًا، ومعلمًا وميسرًا، ومربيًا ومزكيًا، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾ [الأحزاب: 45، 46]، وقال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [الجمعة: 2]، وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله لم يبعثني معنِّتًا ولا متعنِّتًا، ولكن بعثني معلمًا وميسرًا))؛ رواه مسلم.

بعثه الله تعالى في أمة سيطر عليها الجهل والضلالة، واستولت عليها البدع والخرافة، فصنع – بإذن الله – منها أمةً حاملةً لرسالة العلم والتعليم.

 

عباد الله، ومن الأمور المعلومة من سيرته صلى الله عليه وسلم اهتمامه بالتربية والتعليم؛ ما يجعل سيرته العطِرة زاخرة بالأساليب التربوية والتعليمية الصالحة لكل زمان ومكان، فقد أُوتِيَ صلى الله عليه وسلم جوامع الكَلِمِ، وأُعْطِيَ حكمة وعلمًا لا يدانيه فيهما أحد من الناس، قال الله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113].

 

ولقد قضى صلى الله عليه وسلم ما عليه، وبلَّغ ما عُهد إليه، وما مات صلى الله عليه وسلم حتى علَّم الناسَ كُلَّ شيءٍ، عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: “لقد تركنا محمد صلى الله عليه وسلم وما يحرِّك طائرٌ جناحيه في السماء إلا ذكر لنا عنه عِلمًا”؛ رواه أحمدُ في مسندهِ، وعن مسروقٍ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “مَن حدَّثك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من الوحي فقد كذِب”؛ أخرجه مسلم، ويقول العباس: “والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ترك السبيل نهجًا واضحًا، وأحلَّ الحلال، وحرَّم الحرام، ونكح وطلَّق، وحارب وسالم”؛ رواه الدارمي، وقال بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم: ((تركتكم على بيضاءَ نقيةٍ، ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالكٌ))؛ أخرجه أحمد، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

 

نَعَمْ عباد الله، لقد أفنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عُمُرَه كُلَّه في سبيل تبليغ رسالة ربه، وعلَّم أمته كلَّ شيءٍ حتى إن بعض المشركين قال لسلمانَ الفارسي: “إنا نرى صاحبكم يعلمكم كُلَّ شيءٍ حتى الخِراءَة”، قال سلمان: “نعم، لقد نهانا أنْ نستقبلَ القبلةَ بغائطٍ أو بولٍ، أو أن نستنجيَ برجيعِ دابةٍ أو عَظْمٍ”.

 

فقد كان صلوات ربي وسلامُه عليه يعلِّم الناس في جميع أحواله، في مسجدِه، وفي بيته، وفي حِلِّه وتَرْحاله، يقول عبدُالله بنُ مسعود رضي الله عنه: “إني لأتخوَّلكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوَّلنا بالموعظة؛ مخافةَ السآمةِ علينا”.

 

كان بيتُهُ صلى الله عليه وسلم مدرسة؛ ولهذا كان الصحابةُ إذا اختلفوا في أمرٍ، ذهبوا إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون زوجاتِهِ عن هَدْيِه وعَملِه في بيته.

 

كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلِّم الناس وهو واقفٌ على ناقته أو على دابته، يقول عبدُالله بنُ عمرو بن العاص: “لقد رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقفٌ على ناقته في حَجَّةِ الوداع بمنى للناس يسألونه، فما سُئل عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: ((افعل ولا حرج))”؛ رواه البخاري.

 

فكان لا يَدَعُ فرصةً للتعليم إلا اغتنمها، يقول عبدُالله بنُ عباسٍ رضي الله عنهما: “كنتُ يومًا خلفَ النبي صلى الله عليه وسلم على الدابةِ، فقال: ((يا غلام، إني أعلِّمك كلماتٍ: احفظِ الله يحفظْك، احفظِ الله تجدْه تجاهك…))”؛ الحديث، رواه الترمذي.

 

ويقُولُ أنسُ بنُ مالكٍ رضي الله عنه: “كان النبي صلى الله عليه وسلم على حمارٍ، وكان معاذٌ رديفَهُ، فقال: يا معاذ بن جبل، فقال معاذ: لبيك يا رسول الله وسعديك – ثلاثًا – ثم قال: ((ما من أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صِدْقًا من قلبه إلا حَرَّمه الله على النار))”؛ متفق عليه.

 

عباد الله، إن التعليمَ التطبيقيَّ أرسخُ من التعليم النظري، وهذا من معالم هديه صلى الله عليه وسلم في التعليم، يقولُ عمرُ بن أبي سَلَمَةَ رضي الله عنه: “كنتُ غلامًا في حِجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يدي تَطيشُ في الصَحْفَةِ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا غلام، سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك))”؛ متفق عليه.

 

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي ومعه الحسنُ بنُ عليٍّ، فوجدَ تمرةً فأخذها الحسنُ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((كِخ كِخ، أما علِمتَ أنَّا لا تحلُّ لنا الصدقة))؛ متفق عليه.

 

عباد الله، إن مهمة تعليم الناس وتربيتهم أمرٌ عظيم، حتى إنه صلى الله عليه وسلم ليُوقِفُ خُطبتَه لأجل العلم، روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحه، عن أبي رفَاعَةَ العَدَوي رضي الله عنه قال: “انتهيتُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، فقلتُ: يا رسول الله، رجلٌ غريبٌ يسأل عن دينه لا يدري ما دينُهُ، قال: فأقبلَ عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك خطبتَه فأتمَّ آخرها”.

 

ولئن كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُعلِّمُ الناس بأقواله وأفعاله، فلقد كان يُعَلِّمهم بأخلاقه وحسن تعليمه وطِيْبِ معشره، يقولُ معاويةُ بنُ الحَكَمِ السُّلمي رضي الله عنه: بيْنا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجلٌ من القوم، فقلتُ وأنا أصلي: يرحمك اللهُ، فرماني القومُ بأبصارهم، فقلت: وا ثُكْلَ أُمِّيَاه، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتُهم يُصَمِّتونني، لكني سكتُّ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – فبأبي هو وأمي، ما رأيتُ معلمًا قبله ولا بعده أحسنَ منه، فوالله ما كَهَرني ولا ضربني ولا شتمني – قال: ((إن هذه الصلاةَ لا يَصلُح فيها شيءٌ من كلامِ الناسِ، إنما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن))؛ رواه الإمام مسلم.

 

تأملوا عباد الله هذا الأسلوب النبوي، فرغم أنَّ هذا الخطأ كان من مبطلات الصلاة، فإنه لم يعنِّفْ صاحبه، ولم يُوبِّخْه، إنما علَّمه برفق وأسلوب حسن.

 

وفي قصة الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ((إنما بُعثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين، صبُّوا عليه سَجْلًا من ماء))؛ رواه أبو داود، وفي رواية قال: “اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا”، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد تحجَّرت واسعًا)).

 

قال النووي: “وفيه الرِّفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيفٍ ولا إيذاء، إذا لم يأتِ بالمخالفة استخفافًا أو عنادًا، وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفِّهما”.

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدِّث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدِّث، فقال بعض القوم: سمِع ما قال فكَرِه ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله، قال: ((فإذا ضُيِّعتِ الأمانة فانتظرِ الساعة))، قال: كيف إضاعتها؟ قال: ((إذا وسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة))”؛ رواه البخاري في باب من سُئل علمًا وهو مشتغل بحديثه.

 

فرغم أنه عليه الصلاة والسلام كان مشغولًا بحديثه، فإنه لم ينسَ هذا السائل ولم يُهملْه، إنما كان مهتمًّا به فأجابه على سؤاله لما فَرَغ من كلامه، وهذا الاهتمام يكشف عن الخلق السامي الرفيع من رسولنا الكريم المعلم الأول صلى الله عليه وسلم.

 

ومن الأساليب النبوية في التعليم: إيجاد الدافعية الذاتية للتعلُّم من خلال إشعار المتعلم بحاجته إلى العلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصلى ثم جاء، فسلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم فردَّ النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلامَ، فقال: ((ارجعْ فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ – ثلاثًا – فقال: والذي بعثك بالحق، فما أُحسن غيره، فعلِّمني…))؛ الحديث، رواه البخاري.

 

وهكذا أوجد صلى الله عليه وسلم لديه الرغبةَ الذاتية في التعلم، وفرقٌ بين أن يعلمه ابتداءً، وبين أن يشعر هو بحاجته للعلم، فهذا أدعى للقَبول وأعمقُ في التأثير.

 

إنها مدرسة المعلم الأول صلى الله عليه وسلم الذي قال الله فيه: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، ولما سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خُلُقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: “كان خلقه القرآن”، وقيل في وصف نبينا صلى الله عليه وسلم: “مَن رآه بداهة هابه، ومن خالطه عِشْرةً أحبه”، قال الله تعالى عنه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159].

 

فأعظم ما يؤثر في النفوس ويصل إلى سُويْداء القلوب ويلامس شَغَافها: حسنُ الخلق، والتحلي بالآداب الفاضلة، فإفشاء السلام، ومحبة الأنام، والرفق ولين الجانب، وطلاقة الوجه، والحِلْمُ والأناة، والهِنْدام الحَسَن – آدابٌ عالية وأساليبُ رائعة، لها آثارٌ عجيبة في كسب الناس، وإقبالهم على المعلم وتقبُّلِهم منه.

 

وحريٌّ بالمعلمين والمعلمات والآباء والأمهات ومن يتولى هذه المهمة الشريفة، أن يقتفيَ أثره ويهتديَ بهديه عليه الصلاة والسلام؛ ففيه الخير كل الخير.

 

اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا وقلبًا خاشعًا ولسانًا ذاكرًا.

أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

♦   ♦   ♦

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وتفقهوا في دينكم، واقتدوا بالمعلم الأول صلى الله عليه وسلم في دعوته وتعليمه، وليُقِمْ كلُّ واحدٍ منكم نفسَهُ معلِّمًا لأهله ولغيرهم بقوله وفعله، وليكن قدوة في أخلاقه وتصرفاته؛ فالتعليم ليس مقصورًا على المدرسة وحدها، ولا المسجد وحده، بل إن الحياة كلها مدرسةٌ ومجالٌ للتربية والتعليم، فالبيتُ مدرسةٌ، والأمُّ مدرسةٌ، كلُّ واحدٍ من الناسِ له كِفْلٌ من هذا الباب العظيم.

 

اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد.