ابن جبرين في سجل الخالدين

الحمد لله الحيِّ القيوم الذي لا يموت ، والجن والإنس يموتون ، القائل : ( كل نفس ذائقة الموت ) والصلاة والسلام على من خاطبه ربه بقوله : ( إنك ميت وإنهم ميتون ) ، ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفائن متَّ فهم الخالدون ) صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد :

فلقد رزئت الأمة الإسلامية جمعاء وفجعت بموت عالم من علمائها ، وإمام من أئمتها ، وفقيه من أشهر فقهائها ، إمام من أئمة الهدى ومصابيح الدجى شهد له بالعلم والفضل القاصي والداني ، وسارت بذكره الركبان ، وطوقت شهرته الآفاق إنه الإمام الرباني ، بقية السلف ناصرُ السنة وقامعُ البدعة سماحة الشيخ / عبد الله بن عبد الرحمن ابن جبرين عضو الإفتاء رحمه الله رحمةً واسعةً وأسكنه فسيح جناته وأسبل عليه رضوانه ومغفرته .

 

أهكذا البدر تخفى نوره الحفـر * ويفقـد العلـمُ لا عينٌ ولا أثرُ

خبت مصابيحُ كُنا نستضيءُ بها * وطوَّحت للمغيب الأنجم الزهرُ

 

بالأمس القريب وضعت الأمة يدها على قلبها ، عند ما ترامت الأنباء بمرض شيخها وإمامها ، ثم انفرجت أساريرها مستبشرةً باستقرار حالته وقرب خروجه من عارضه الذي ألم به ، وكان مرضه حديث الناس ، تلهج ألسنتهم له بالدعاء الصادق بالشفاء والعافية ، ولكن لما كانت سنة الله نافذةً وأمره واقعاً ، قضى الله أمراً كان مفعولاً ، لتأتي الفاجعة في يوم الاثنين الحادي والعشرين من شهر رجب عام 1430هـ ، في الساعة الثانية والربع مساءً ، فودعت البلاد بل أمة الإسلام قاطبةً إمام السنة الشيخ الفقيه العلامة عبد الله بن جبرين الذي أجمعت الأمة على قبوله ومحبته ..

ولما كان لوفاة الشيخ – رحمه الله – من أثر عظيم على نفوس الناس ، ووقع أليم على أهل السنة والجماعة ، ومن باب الثناء على المحسنين بسجاياهم الكريمة وخصالهم الحميدة ، ومن باب بر الشيخ ووفائه وذكر فضله كتب هذه الأحرف وسطرت هذه الكلمات .. وماذا عساي أن أقول والفقيد بحجم ومكانه ابن جبرين – رحمه الله – ماذا عساي أن أقول والكلمات تتلعثم عن البيان ، ويقف البيان عصياً وكالاً ، والفؤاد مكروب محزون يكاد يتفطر ، والنفس تتحسر ، لقد فجعنا بالفجيعة الكبرى ، والطامَّة العظمى .. ماذا عساي أن أتكلم والعبارات قد ندت شاردةً عني ، ولكنها شأبيب من القول بعضها آخذةٌ برقاب بعض في ذكر هذا الإمام العلم . الذي انهد بموته جانب عظيم من الحكمة والفقه والبصيرة في دين الله تعالى ..

وما كان قيسٌ هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما

أيُّ رجلٍ هذا الذي قضى نحبه ولاقى ربه إنه طودٌ شامخٌ أشم ونجمُ قد هوى ، وبدر تم قد أفل ، وكأنه بنيان قوم تهدم .

وما كان إلا كالسحابة أقلعت * وقد تركت للناس مرعىً ومشرباً

سنة ماضية ..

إن الموت آتٍ على كل أحد وهو سنةُ في الناس ماضية قال تعالى : (كل نفس ذائقة الموت) وقال تعالى : ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) فهو سبحانه الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون ، وكذلك الملائكة وحملهُ العرش ، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء ، فيكون آخراً كما كان أولاً وهذه الآية كما قال ابن كثير فيها تعزيةُ لجميع الناس ، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت .

هو الموت ما منه ملاذُ ومهربُ * متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب

نشاهد ذا عين اليقين حقيـقـةً * عليه مضى طفل وكهلٌ وأشيـبُ

نؤمل آمالاً ونرجـو نتاجـهـا * وعلَّ الردي مما نرجيـه أقـرب

ثلمة ..

إن موت العالم ثلمة في الدين ومصيبة كبرى قال الله تعالى : ( أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها .. ) قال ابن عباس – رضي الله عنه – خرابها بموت فقهائها وعلمائها وأهل الخير منها، ومما جاء في بيان الرزية بفقد العلماء ما رواه الشيخان في صحيحهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جُهالاً ، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) قال ابن مسعود – رضي الله عنه – يوم مات عمر : إني لأحسب تسعة أعشار العلم اليوم قد ذهب. وقيل لسعيد بن جبير ما علامة هلاك الناس قال : إذا هلك علماؤهم . ونقل عن علي وابن مسعود والحسن أنهم قالوا : موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار . وقال سفيان بن عيينة : وأيُّ عقوبةٍ أشد على أهل الجهل أن يذهب أهل العلم . نعم وأيُّ ثلمةٍ أصابت الإسلام كثلمته بموت إمام من أئمة أهل السنة والجماعة في هذا العصر الشيخ /عبد لله ابن جبرين ، وأيُّ قارعةٍ ونازلةٍ حلت ببني الإسلام بموت هذا الجبل الأشم والإمام العلم .

الأرض تحيا إذا ما عاش عالمُهـا * متى يمـت فيهـا يمت طـرفُ

كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها * وإن أبى عاد في أكنافها العطبُ

وقال آخر :

إذا ما مات ذو علم وتقوى * فقد ثلمت من الإسلام ثلمة

وقال آخر :

لعمرك ما الرزية فقد مال * ولا شاة تموت ولا بعير

ولكن الرزية فقد شهـم  * يموت لموته خلق كثيـر

علم وعمل ودعوة :

كان الشيخ ابن جبرين عالماً يعمل بعلمه ، وفقيهاً يفتي على بصيرة ، ويتمسك بالدليل والحجة ، كان نير الفكر ، صحيح الاعتقاد ، مطبقاً للسنة ، قامعاً للبدعة ، داعياً إلى التوحيد ، رافعاً رايته ، زاهداً في الدنيا ، رحب الجناب ، بذولاً للعلم والمال والشفاعة، رفيقاً بالأصحاب والزوار ، مع الخلق الأتم والأدب الجم .

إنه ما من أحد من طلبة العلم في هذه البلاد المباركة وغيرها من بلدان المسلمين والعالم قاطبة إلا واستفاد من الشيخ وتتلمذ عليه إما مباشرة بالحضور وإما عن طريق الدروس العلمية والمحاضرات في شتى مناطق المملكة ناهيكم عمن استفاد من الشيخ بالسماع عن طريق وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والهاتف والإنترنت.

ومن عرف الشيخ عن كثب أو قرأ سيرته وسبر أحواله واطلع على جدول دروسه ورحلاته يرى جهوداً مباركة في نشر العلم والتعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة من خلال الدروس والمحاضرات والفتاوى ويجد عجبا من نشاط الشيخ وهمته وحرصه مع تقدمه في السن على كثرة الدروس وتتابعها وتنوع فنونها، فهو لا يدخر وسعاً في الخير فمرة يلقي محاضرة ومرة يجيب على هاتف وأخرى يحرر شفاعة أو يقضي لأحد المسلمين حاجة, اجتماعي بطبعه يألف ويؤلف  يزور العلماء والوجهاء والدوائر الحكومية والخيرية والأهلية .. وناشئة المسلمين وشبابهم يجدون فيه الأب الحاني المربي الذي يحاورهم ويجيب على أسئلتهم..

ابن جبرين .. عاش عيشة الزاهدين محبا للفقراء والمساكين يساعدهم ويشفع لهم ويجلس معهم في مكتبه وبيته ومسجده وكأنما يتمثل قول المصطفى عليه الصلاة والسلام : ” اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ” رواه الترمذي وهو صحيح.

سلامة المنهج :

إن المنصف يرى في الشيخ ابن جبرين حرصا على الجماعة ووحدة الصف واحتراماً للعلماء ونصحاً للمسلمين ومنهجها وسطاً لا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا جفاء كل ذلك مع قوة في الحق وزهد في الدنيا وحسن خلق وصبر وحلم وعفة لسان.

ما زال حياً:

ولئن كان ابن جبرين قد مات وأدخل في القبر ووري الثرى ، فإنه باق معنا بعلمه وكتبه ورسائله وفتاويه، باق معنا بسيرته العطرة ، باق معنا بمأثره وكريم سجاياه..

يا رب حي ركام القبر مسكنه * ورب ميت على أقدامه انتصبا

وقال آخر :

أخو العلم حيٌ خالد بعد موته * وأوصاله تحت التراب رميم

وقال آخر :

كم مات قوم وما ماتت مكارمهم * ومات قوم وهم في الناس أحياء

لقد ذهبت يا شيخنا لكن محاسنك لم تذهب ، ورحلت لكن فضائلك لم ترحل ، إنه ميراث النبوة الباقي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، إنها العمر الثاني :

دقات قلب المـرء قائلـةٌ لـه * إن الحيـاة دقائق وثواني

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها * فالذكر للإنسان عمر ثاني

الصبر الصبر..

ولا نقول إلا كما أرشدنا ربنا جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم عند حلول المصائب : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيراً منها . قالت أم سلمة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون أللهم أؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها ) قالت فلما توفى أبو سلمة ، قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخلف الله لي خيراً منه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، رواه مسلم .

وإنني نوصي المسلمين بعامة وطلبة العلم بخاصة بالصبر واحتساب الشيخ عند الله تعالى والرضا بقضاء الله وقدره ، فالمسلمون من أخلاقهم صبرهم عند البلاء وشكرهم في السراء قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خيرٌ ، وليس ذلك إلا للمؤمن : إن أصابته سراءُ شكر فكان خيرا ًله وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيراً له ) رواه مسلم عن صهيب بن سنان. وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :  ( يقول الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة ) رواه البخاري . فلا بد أن نرضى ونسلم ولنتذكر مصابنا بموت النبي صلى الله عليه وسلم فإن المصاب به صلى الله عليه وسلم أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم قال صلى الله عليه وسلم ( إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبتة بي فإنها من أعظم المصائب ) . صححه الألباني . قال أبو العتاهية الزاهد ناظماً معنى هذا الحديث:

اصبر لكل مصيبةٍ وتجـلـد * واعلم بأن المرء غير مخلد

أو ما ترى أن المصائب جمةٌ * وترى المنية للعباد بمرصد

فإذا ذكرت محمداً ومصابـه  * فاذكر مصابك بالنبي محمد

وبعد فهذه مشاعر أبت إلا أن تخرج وفاء لفقيه العصر ونقول صابرين محتسبين راضين بقضاء الله وقدره إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى ، اللهم اغفر لعبدك ابن جبرين وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين ، واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونورله فيه ، اللهم اجعل مآله في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. إن العينَ تدمعُ ، والقلبَ يحزنُ ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا شيخنا لمحزونون . والحمد لله على قضائه وقدره .