كونوا مع الصادقين (خطبة)

الحمد لله رب العالمين، يقول الحق وهو خير الفاصلين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الإله الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، الصادق الوعد الأمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد اللهحق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.

عباد الله: يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119]. أي: “اصدقوا، والزموا الصدق، تكونوا من أهله، وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجًا من أموركم ومخرجًا” (تفسير ابن كثير).


لقد أمرنا سبحانه وتعالى بأن نتحلى بهذا الخُلق العظيم، وأن نكون مع الصادقين، ذلكم أن الصدق دليل الإيمان ولباسه، ولبُّه وروحه؛ كما أن الكذب بريد الكفر ونَبْتُه وروحه، والسعادة دائرة مع الصدق، والشقاوة دائرة مع الكذب.

يقول ابن القيم رحمه الله: “الإيمان أساسه الصدقُ، والنفاق أساسه الكذبُ، فلا يجتمع كذبٌ وإيمان إلا وأحدُهما محارِبٌ للآخر” مدارج السالكين (2/ 25).

والصدق خُلق من أخلاق الإسلام، وقد وصف الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه جاء بالصدق، وأن أبا بكر رضي الله عنه وغيره من المسلمين هم الصادقون، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [الزمر: 33].

والصدق هو الخُلق البارز الذي اتصف به الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعثته حتى لُقِّب بالصادق الأمين، والتحلي بالصدق كان من أوَّليات دعوتِه صلى الله عليه وسلم، كما جاء مصرحًا بذلك في قصة أبي سفيان مع هرقل، وفيها: أن هرقل قال لأبي سفيان: “بماذا يأمركم؟” يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سفيان: “يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة” رواه البخاري ومسلم.

الصدق صفة عباد الله الصالحين، قال تعالى عن الصحابة رضي الله عنهم: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23]. وقد أنزل الله في شأن الصادقين آيات تتلى إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها.

وفي صحيح البخاري عن أنس رض الله عنه أن عمه أنس بن النضر لم يشهد بدرًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق ذلك على قلبه، وقال: أول مشهد شهده رسولُ الله صلى الله عليه وسلم غبتُ عنه، أمَا والله، لئن أراني الله مشهدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَرَينَّ الله ما أصنع! قال: فشهد أُحدًا في العام القابل، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا أبا عمر، إلى أين؟ فقال: واهًا لريح الجنة! إني أجد ريحَها دون أُحُد، فقاتل حتى قُتِل، فوُجِد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وضربة وطعنة، فقالت أخته الرُّبَيِّع بنت النضر: ما عرفتُ أخي إلا ببنانه، فنزلت هذه الآية: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23]. رواه مسلم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائمًا ما يحث المسلمين على الصدق في أقوالهم وأفعالهم فيقول:” عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ” متفق عليه.

والصدق له ثمرات فهو أصل البر، والكذب أصل الفجور، ومن ثمراته انتفاء صفة النفاق عن الصادقين؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاث مَن كُنَّ فيه كان منافقًا: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتُمِن خان” متفق عليه.

وفي الصدق تفريج الكربات، وإجابة الدعوات، والنجاة من المُهلِكات، دل على ذلك قصة أصحاب الغار التي أخرجها الشيخان، وفيها أنه قال بعضهم لبعض: “إنه والله يا هؤلاء، لا ينجيكم إلا الصدقُ، فليدعُ كلُّ رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه“، فدعا كل واحد منهم ربَّه بما عمِله من عمل صدَق فيه لله، وأخلص له فيه، فكان أن جاء الفرج، ففرج لهم فرجة بعد أخرى، حتى خرجوا من تلك المحنة.

وفي الصدق التوفيق لكل خير، كما في قصة كعب بن مالك -رضي الله عنه- في تخلُّفه عن غزوة تبوك، كما في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب: “ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعتَ ظهرك؟”، قال: قلت: يا رسول الله، إني والله، لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطِه بعذر، ولقد أُعطيتُ جدلًا – أي: فصاحةً وقوة في الإقناع – ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتُك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليَّ فيه – أي: تغضب عليَّ فيه – إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر في حين تخلفت عنك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أمَّا هذا، فقد صدق“، فلما صدق مع الله ومع رسوله، تاب الله عليه، وأنزل فيه وفي صاحبيه آيات تتلى إلى قيام الساعة، فقال تعالى: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 117]. متفق عليه.

والصدق عاقبته خير، لقوله تعالى: ﴿ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ [محمد: 21]. وفي الصدق حصول الثواب الأخروي، لالتزامهم بما أوجب الله عليهم من تحري الصدق تعبدًا لله تعالى، لقوله تعالى: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ [المائدة: 119].

وفي مقابل ذلك أمرنا الله تعالى بتجنب الكذب، وحذَّر منه؛ لما فيه من المفاسد، فالكذب من خصال المنافقين، قال النبي صلى الله عليه وسلم قال: “آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان” متفق عليه.

ومَن تكرر منه الكذب حتى صار عادة، يُكتَب عند الله في صحائف الكذَّابين، كما جاء في الحديث: “ وما يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا “.

قال العلامة ابن القيم رحمه الله: ” وهل ملئت الجحيم إلا بأهل الكذب الكاذبين على الله وعلى رسوله وعلى دينه، وعلى أوليائه، المكذبين بالحق حمية وعصبية جاهلية؟ وهل عمرت الجنان إلا بأهل الصدق الصادقين المصدقين بالحق؟ قال تعالى: ﴿ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ * وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الزمر: 32 – 34].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم..

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد، فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، فاتقوا الله، واصدقوا وكونوا مع الصادقين، كونوا صادقين مع ربكم عز وجل، صادقين ومع الناس أجمعين، خاصة مَنْ كان في محل القدوة والتأسي من الآباء والمربين، فمن الواجب عليه أن يحترم هذه المكانة، ويكون صادقًا في تعاملاته، وجميع أحواله، حتى لا يخسر دينه ودنياه وأولاه وأخراه.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، ​‏‏اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق خادم الحرمين الشريفين وولي عهده لما تحب وترضى، اللهم أعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم انج عبادك المستضعفين من المؤمنين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وكن لهم وليًا وظهيرًا، اللهم عليك باليهود المعتدين، اللهم انصر أهل التوحيد والسنة، واقمع أهل الشرك والبدعة، وارفع عن المسلمين الغمة.

اللهم اشف مرضانا وارحم موتانا وموتى المسلمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.